أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

124

العقد الفريد

فلا تكتحل عيناك فيها بعبرة * على ذاهب منها فإنك ذاهب وقال أبو العتاهية : أصبحت الدنيا لنا فتنة * والحمد للّه على ذلكا قد أجمع الناس على ذمّها * ما إن ترى منهم لها تاركا وقال إبراهيم بن أدهم : نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع وما سمعت في صفة الدنيا والسبب الذي يحبها الناس لأجله بأبلغ من قول القائل . نراع بذكر الموت في حين ذكره * وتعترض الدّنيا فنلهو ونلعب ونحن بنو الدّنيا خلقنا لغيرها * وما كنت منه فهو شيء محبّب فذكر أن الناس بنو الدنيا وما كان الإنسان منه فهو محبب إليه . واعلم أن الإنسان لا يحب شيئا إلا أن يجانسه في بعض طبائعه ، وأن الدنيا جانست الإنسان في طبائعه كلها فأحبها بكل أطرافه . ابن شبرمة وولده : وقال بعض ولد ابن شبرمة : كنت مع أبي جالسا قبل أن يلي القضاء فمرّ به طارق ابن أبي زياد في موكب نبيل ، فلما رآه أبي تنفّس الصّعداء ، وقال : أراها وإن كانت تحبّ كأنها * سحابة صيف عن قليل تقشّع « 1 » ثم قال : اللهم لي ديني ولهم دنياهم . فلما ابتلى بالقضاء ، قلت : يا أبت ، أتذكر يوم طارق ؟ فقال : يا بني إنهم يجدون خلفا من أبيك وإن أباك لا يجد خلفا منهم إن أباك خطب في أهوائهم وأكل من حلوائهم .

--> ( 1 ) تقشّع : تزول .